
رئيس الوزراء "محمد حسن التعايشي": النزاعات القبلية تعبيرٌ عن فشل الدولة، لا عن فشل القبائل
في كلمة ألقاها أمام مؤتمر للتماسك الاجتماعي بين قبيلتي الفلاتة والمساليت، قال عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي إن نزاعاً وقع في أحد أسواق منطقة "قريضة" لم يكن سوى عرضٍ من أعراض فشل الدولة المستمر منذ 70 عاماً، مؤكداً التزام حكومته بتنفيذ مخرجات المؤتمر.
صرح نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خلال مؤتمر للتماسك الاجتماعي بين قبيلتي الفلاتة والمساليت، بأن النزاع الذي جمع الطرفين ليس مشكلة قبلية، بل هو مشكلة تتعلق بالدولة والمجتمع، مؤكداً التزام حكومته بمخرجات هذا المؤتمر. وفي مستهل كلمته، نقل تحيات رئيس مجلس السيادة، مشيراً إلى متابعته الدقيقة لتحضيرات المؤتمر وفعالياته، واهتمامه بمراجعة مخرجاته ومتابعة تنفيذها. كما أعرب عن شكره للجنة "الأجاويد" التي سارعت إلى موقع الحدث، وتحملت المسؤولية، وعملت على تهدئة الأوضاع قبل وصول الحكومة أو الإدارة الأهلية أو أي جهة أخرى. وخصّ بالشكر اللجنة التنفيذية للإدارة الأهلية في جنوب دارفور، بقيادة الناظر التوم الهادي، والمبادرة السودانية للنسيج الاجتماعي، بقيادة العمدة جمعة، على جهودهم في التوجه إلى "قريضة" والتواصل مع كافة الأطراف حتى انعقاد المؤتمر. وأشاد أيضاً بالملك عادل حسن الملك والناظر محمد السماني البشري، واصفاً كلماتهم خلال المؤتمر بأنها كانت مسؤولة وتليق بقادة قبائل يدركون الأعراف والتقاليد ويقدرون قيمة الإنسان. وأكد أن الأزمة التي وقعت في "قريضة" لا تخص قبيلتي الفلاتة أو المساليت وحدهما؛ إذ تحمل الطرفان على عاتقهما مسؤولية هي في الأصل من مهام الدولة. وقال: "نحن، كقبائل وكمجتمع، تحملنا مشكلات الدولة على كاهلنا، وفي الحقيقة، نحن ضحايا لهذه الدولة". وأوضح أن اقتتال قبيلتين حول بئر مياه -وما يترتب عليه من فقدان للأرواح ودفع ديات تفوق تكلفتها أضعاف قيمة عشرات الآبار- لا يعد مشكلة القبائل المتقاتلة، بل هو مشكلة الدولة التي تقاعست عن توفير خدمات المياه، وهي أبسط مقومات الحياة. وبالمثل، أشار إلى أن عجز الأفراد في الأسواق عن إدارة حوارٍ هادئ يعكس فشل الدولة في توفير تعليم جيد ومناهج تربوية تُعلّم الناس كيفية النقاش، والاختلاف، وحل المشكلات بشكل مشترك، دون اللجوء إلى استدعاء القبيلة أو العائلة. قال: "تسعون في المائة من المشكلات التي نطلق عليها ’مشكلات قبلية‘ ليست في جوهرها قبلية على الإطلاق؛ بل هي مشكلات تتعلق بالدولة، وتحديداً بفشلها في أداء واجباتها ومسؤولياتها تجاه المجتمع". وتساءل: لو توفر في "جريدة" مركز شرطة يضم أربع وحدات شرطية واثنتي عشرة مركبة، إلى جانب مكتب للنيابة ومحكمة تفصل في القضايا بشكل يومي وأسبوعي، هل كان لنزاع في السوق أن يتصاعد ليتحول إلى صراع بين قبيلتي "الفلاتة" و"المساليت"؟ وأجاب: "مستحيل". وأضاف أنه ينبغي على أبناء قبيلته ألا يتحملوا بعد الآن مسؤوليات تقع على عاتق الدولة؛ إذ يجدر بـ"المساليت" التوجه إلى الحكومة لإبلاغها بمقتل أفراد في السوق في ظل غياب الدولة، كما ينبغي على "الفلاتة" أيضاً مخاطبة الحكومة وتحميلها مسؤولية ما حدث بالأمس، بدلاً من اللجوء إلى قتال القبيلة الأخرى. وقال: "نحن وأنتم، وشعوبنا التي فقدت أبناءها في حروب قبلية على مدى عقود، ندفع جميعاً ثمن إخفاقات الدولة". واستحضر في هذا السياق ما ذكره العميد حسين خدام، من أن الخصوم -حين يعجزون عن تحقيق النصر بالسلاح- يلجؤون إلى أسلوب قديم تعلموه من المستعمر؛ وهو زرع الفتنة بين المكونات الاجتماعية، بحيث تظهر مشكلة جديدة كلما هدأت الأوضاع. وتساءل عن الغرض من تخصيص 35 مركبة لمنطقة "جريدة"، مشيراً إلى أنه كان من الأجدى استخدامها لمعالجة نزاعات بسيطة -كالخلافات التي قد تنشأ بين شابين في السوق- بدلاً من توظيفها لدعم المقاتلين في جبهات القتال الدائرة. وأضاف: "هذا صنيع ’الفلول‘ وأجهزة الاستخبارات التي تعمل بيننا". وشدد على أن حكومته لا تسعى للتنصل من مسؤولياتها، وهي تدعم النهج المتبع حالياً في معالجة المشكلات، رغم قناعته بأنه ليس المسار الأمثل لحل القضايا المجتمعية. وأكد التزامه بعقد المؤتمر -الذي جرى الترتيب له في 24 من الشهر ليُقام في الأول من أكتوبر، بتكلفة باهظة- والتزامه أيضاً بمخرجاته، لكنه استدرك قائلاً: "هذه ليست الطريقة المثلى لمعالجة قضايا مجتمعاتنا؛ فهذا النهج خاطئ". قال إن الحكومات المركزية عمدت تاريخياً إلى خلق بؤر للصراع لجعل تحقيق سلام دائم بين المجموعات أمراً مستحيلاً؛ ففي اللحظة التي تنعم فيها المجتمعات بالسلام، تتحرر طاقتها الإنتاجية من قيود الدولة المركزية. وخلص إلى استنتاج ذي شقين: على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في معالجة الاختلالات التي تسببت فيها، وعلى المجتمع أيضاً أن يتحمل مسؤوليته في تغيير أسلوبه في التعامل مع مشكلاته. وتساءل: لو أن الشرطة ألقت القبض على المتسببين في حادثة سوق "جيريدا" وقدمتهم للمحاكمة، فأصدرت المحكمة حكماً بالإعدام على أحدهم وبالغرامة على الآخر في غضون أسبوعين أو ثلاثة، فهل كان أحد سيتدخل في تلك الإجراءات؟ واستشهد بالآية الكريمة: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ"؛ مشيراً إلى أنه من الأفضل أن يُحكم على شخص واحد بالإعدام وفقاً للقانون ويُوارى الثرى -بينما ينجو الآخرون- بدلاً من أن يلقى خمسمئة رجل من أبناء القبائل حتفهم. وأضاف مؤكداً: "أنا على يقين تام، بنسبة مئة بالمئة، بأن الأشخاص الماثلين أمامي -من جميع الأطراف- يرغبون في السلام والتعايش".
